الجمعة، 22 يونيو 2018

فصل : الأدلة على بطلان اشتراط النصاب والحولان والحلول من القياس

رسالة : الصدقات

فصل : الأدلة على بطلان اشتراط النصاب والحولان والحلول من القياس

كتب محمد الأنور آل كيال

قال الله : "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" [التوبة : 60] .

هذه مصارف الصدقات الثمانية التي بينها الله في كتابه ,
وفيما يلي الأدلة على بطلان اشتراط النصاب والحولان والحلول من القياس :

أولاً : القياس على حق الزرع :
قال الله : "وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" [الأنعام : 141] .
والحق هو العفو الكافي المغني .
وبقياس حق النقود على حق الزرع نقول : وآتوا حقه يوم كسبه , وليس بعد حولان حول أو حلول شهر رمضان أو بلوغ النصاب :
وبقياس حق الطعام على حق الزرع نقول : وآتوا حقه يوم إناه أو يوم تجهيزه أو يوم الحصول عليه , وليس عند حلول شهر رمضان ـ ما يسمى عند الإخوة الأثريين بزكاة الفطر ـ , أو بلوغ نصاب .
وما يقال في الزرع والنقد والطعام والشراب يقال في اللباس والدواء وكل ما ينفع الناس ويحتاجون إليه .

ثانياً : القياس على الإنفاق على النفس :
قال الله : " وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" [القصص : 77] .
فكما يجب على الإنسان أن لا ينسى نصيبه من الدنيا ويحرم عليه أن يترك نفسه دون أن ينفق عليها أو يكرمها , كذلك بالقياس يجب عليه أن لا ينسى نصيب المحتاجين من الدنيا ويحرم عليه أن يتركهم دون أن ينفق عليهم أو يكرمهم إذا استطاع وكان لديه العفو .

ثالثاً : القياس على الإنفاق على الأهل :
قال الله : "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا" [النساء : 36] .

وقال الله : "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ" [البقرة : 83] .

وقال الله : "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" [النحل : 90] .

وقال الله : "وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا" [الإسراء : 26] .

وقال الله : "فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الروم : 38] .

وقال الله : "وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [النور : 22] .

والسؤال : هل يجزئ أي إنفاق على الوالدين أو أولي القربى ؟ هل يجزئ ما لا يكفيهم مع القدرة على كفايتهم ؟ هل قيد الإنفاق عليهم بنصاب أو حولان أو حلول ؟
كذلك الإنفاق على الأصناف المبينة في كتاب الله لم يقيد بنصاب أو حولان أو حلول .

قال الله : "وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا" [النساء : 24] .

وقال الله : "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا" [النساء : 34] .

والسؤال : هل يجزئ أي إنفاق على النساء ؟ هل قيد الإنفاق على النساء بنصاب أو حولان أو حلول ؟
كذلك الإنفاق على الأصناف المبينة في كتاب الله لم يقيد بنصاب أو حولان أو حلول .

وقال الله : "أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)" ( الطلاق ) .
فالله أمر ذا السعة أن ينفق من سعته على أهله ولم يقيد ذلك الإنفاق بنصاب أو حولان أو حلول , وبالقياس : لينفق ذو السعة من سعته على المحتاجين ولا يقيد هذا الإنفاق بنصاب أو حولان أو حلول .
بل إن الله أمر من قدر عليه رزقه أن ينفق مما آتاه الله على أهله ولم يضع عنه الإنفاق , ولم يقيد هذا الإنفاق بنصاب أو حولان أو حلول, وبالقياس : ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله على المحتاجين , ولم يضع عنه الإنفاق , ولم يقيد هذا الإنفاق بنصاب أو حولان أو حلول .

وقال الله : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11)" ( الممتحنة ) .

رابعاً : القياس على الإنفاق عند حضور القسمة :
قال الله : "وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا" [النساء : 8] .
والإنفاق على هؤلاء الحاضرين في القسمة لم يقيد بنصاب أو حولان أو حلول .

خامساً : القياس على توزيع الغنيمة :
قال الله : "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [الأنفال : 41] .
وتوزيع الغنيمة لم يقيد بنصاب أو حولان أو حول .

سادساً : القياس على توزيع الفيء :
قال الله : "مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)" ( الحشر ) .

فالله أمر بتوزيع الفيء كما بين ولم يقيد ذلك بنصاب أو حولان أو حلول , بل بين أن علة هذا التوزيع هي "كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ" , أي أن الإنفاق لن يجعل المال دولة بين الأغنياء فقط , وهذا لن يكون في حالة النصاب المزعوم أو الحولان أو الحول .

سابعاً : القياس على نشر العلم وعدم كتمان كله أو بعضه :
إذا كان الإنسان مأموراً أن يتعلم ويعمل بعلمه حتى ينتفع به وأن يعلم الناس حتى يعملوا بهذا العلم وينتفعون مثله ويحرم عليه أن يكتم شيئاً من علمه , كذلك بالقياس هو مأمور بإنفاق ماله كله على نفسه وأهله والمحتاجين ولا يمسك شيئاً منه أو يكنزه كله أو بعضه .
وقد يقال إن هذا قياس مع الفارق لأن العلم لن ينقص أو ينعدم إذا نشرته , بينما المال ينقص وينعدم إذا أنفقته .
أقول : هذا من وساوس الشيطان فهو الذي يعد بالفقر , أما الله عز وجل فهو يعد بالفضل والخلف , فهذه الوساوس تخالف الآيات التالية :
قال الله : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)" ( البقرة ) .
وقال الله : "قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" [سبأ : 39] .

كما أن تلك الوساوس تخالف الآثار التي يزعم الإيمان بها والتي تفيد بأن الله يخلف على المنفق , مثل الآثار التالية :
روى الأثريون أَنّ النبي دَخَلَ عَلَى بِلالٍ، وَعِنْدَهُ صُبْرَةٌ مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ: " مَا هَذَا يَا بِلالُ؟ "، قَالَ: تَمْرٌ ادَّخَرْتُهُ، قَالَ: " أَمَا تَخْشَى يَا بِلالُ، أَنْ يَكُونَ لَهُ بُخَارٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ؟ أَنْفِقْ بِلالُ، وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا ". ( المعجم الكبير للطبراني , حلية الأولياء لأبي نعيم , معرفة الصحابة لأبي نعيم , صفوة التصوف , بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث , البحر الزخار بمسند البزار , كشف الأستار , السادس من الخلعيات , معجم ابن الأعرابي , إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة , المسند للشاشي , مسند الشهاب , : شعب الإيمان  للبيهقي واللفظ له , جزء الألف دينار للقطيعي , وصححه الألباني وأورده في الصحيحة برقم 2661 وأطال في ذكر طرقه ) .

وفي رواية : ( ادَّخِرْهُ، تَمْرٌ أَدَّخِرُهُ , شَيْءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ , ادَّخَرْتُهُ لَكَ وَلِضيَفانِكَ , ذَخَرْتُهُ لَكَ وَلِضِيفَانِكَ , شَيْءٌ أَدَّخِرُهُ لَكَ ، ادَّخَرْتُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَعْدَدْتُهُ لَكَ وَلِأَضْيَافِكَ , أَعْدَدْتُهُ لَكَ وَلِضِيفَانِكَ , أَعْدَدْتُ لَكَ وَلِضِيفَانِكَ , أَعُدُّ ذَلِكَ لأَضْيَافِكَ , لَكَ وَلِضِيفَانِك , شَيْءٌ اتَّخَذْتُهُ لَكَ وَلأَضْيَافِكَ أَوْ قَالَ: خَبَّيْتُهُ ) .
والروايتان التاليتان بهما اختلاف في المتن .

الأربعون في شيوخ الصوفية للماليني : (96)- [1 : 186] أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَمْزَةَ الصُّوفِيُّ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّازِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: حَدِّثْنِي؟ فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِالْحَدِيثِ يَا صُوفِيُّ؟ فَقُلْتُ لا بُدَّ حَدِّثْنِي، فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، عَنْ هِلالٍ أَبِي الْعَلاءِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَيْرَانِ، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ آخَرُ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ ذَا؟ فَقَالَ بِلالٌ: خَبَّأْتُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "يَا بِلالُ، لا تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا، إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِرِزْقِ كُلِّ غَدٍ". وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .

المعجم الكبير للطبراني : (1089)- [1098] حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، ثنا أَبِي، ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأَجْدَعِ، عَنْ بِلالٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "أَطْعِمْنَا يَا بِلالُ تَمْرًا، فَقَبَضْتُ لَهُ قَبَضَاتٍ، فَقَالَ: زِدْنَا يَا بِلالُ، فَزِدْتُهُ ثَلاثًا، فَقُلْتُ: لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلا شَيْءٌ ادَّخَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَنْفِقْ يَا بِلالُ وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا" .

وروى الأثريون أَنَّ النبي قَالَ قَالَ اللَّهُ عز وجل : " أَنْفِقْ، أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ، وَيَرْفَعُ " . ( البخاري ومسلم , واللفظ للبخاري ) .

وروى الأثريون أَنَّ النبي قَالَ : "قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ" . ( البخاري ومسلم , واللفظ للبخاري ) .

وروى الأثريون أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا" . ( البخاري ومسلم ) .
والكلام مطلق ولم يقيد , فمن أمسك الكثير أو القليل عن نفسه أو أهله أو المحتاجين فهو ممسك .

والخلاصة :
يجب على الإنسان أن ينفق الكفاية على نفسه وأهله , أما العفو فليس من حقه أو حق أهله .

فلا يجوز أن يترك الإنسان نفسه وأهله دون أن ينفق عليهم , وكذلك لا يجوز أن يترك المحتاجين دون أن ينفق عليهم إذا استطاع وكان لديه العفو .

من يؤمن بوساوس الشيطان والتي تفيد بأن الإنفاق يفقر كافر بالآيات والآثار السابقة , فضلاً عن الكثير من الآيات والآثار التي تأمر بالإنفاق والتي ذكرتها في فصل "الأدلة على بطلان اشتراط النصاب والحولان من القرآن" , وفصل " الأدلة على بطلان اشتراط النصاب والحولان من الآثار" .
ـــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله رب العالمين


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق